ابن كثير

97

البداية والنهاية

يكن أحد يتجاسر أن ينقل ملء كف خمر إلى دمشق إلا بالحيلة الخفية ، فجزى الله العادل خيرا ، ولا جزى المعظم خيرا على ما فعل ، واعتذر المعظم في ذلك بأنه إنما صنع هذا المنكر لقلة الأموال على الجند ، واحتياجهم إلى النفقات في قتال الفرنج . وهذا من جهله وقلة دينه وعدم معرفته بالأمور ، فإن هذا الصنيع يديل عليهم الأعداء وينصرهم عليهم ، ويتمكن منهم الداء ويثبط الجند عن القتال ، فيولون بسببه الادبار ، وهذا مما يدمر ويخرب الديار ويديل الدول ، كما في الأثر " إذا عصاني من يعرفني سلطت عليه من لا يعرفني " . وهذا ظاهر لا يخفى على فطن . وممن توفي فيها من الأعيان : القاضي شرف الدين أبو طالب عبد الله بن زين القضاة عبد الرحمن بن سلطان بن يحيى اللخمي الضرير البغدادي ، كان ينسب إلى علم الأوائل ، ولكنه كان يتستر بمذهب الظاهرية ، قال فيه ابن الساعي : الداودي المذهب ، المعري أدبا واعتقادا ، ومن شعره : إلى الرحمن أشكو ما ألافي * غداة عدوا على هوج النياق سألتكم بمن زم المطايا * أمر بكم أمر من الفراق ؟ وهل ذل أشد من التنائي * وهل عيش ألذ من التلاق ؟ قاضي قضاة بغداد . عماد الدين أبو القاسم عبد الله بن الحسين بن الدامغاني الحنفي ، سمع الحديث وتفقه على مذهب أبي حنيفة ، وولي القضاء ببغداد مرتين نحوا من أربع عشرة سنة ، وكان مشكور السيرة عارفا بالحساب والفرائض وقسمة التركات . أبو اليمن نجاح بن عبد الله الحبشي السوداني نجم الدين مولى الخليفة الناصر ، كان يسمى سلمان دار الخلافة ، وكان لا يفارق الخليفة ، فلما مات وجد عليه الخليفة وجدا كثيرا ، وكان يوم جنازته يوما مشهودا ، كان بين يدي نعشه مائة بقرة وألف شاة وأحمال من التمر والخبز والماورد ، وقد صلى عليه الخليفة بنفسه تحت التاج ، وتصدق عنه بعشرة آلاف دينار على المشاهد ، ومثلها على المجاورين بالحرمين ، وأعتق مماليكه ووقف عنه خمسمائة مجلد .